محمد جواد مغنية

323

في ظلال الصحيفة السجادية

( أللّهمّ ، وما تعدّيا عليّ فيه . . . ) كما أوجب سبحانه حقوقا للوالدين على الولد ، أوجب أيضا حقوقا له عليهما ، ومن أهمل ، وقصّر استحق اللّوم ، والعقاب والدا كان ، أو ولدا ، والإمام السّجاد عليه السّلام يتجاوز ، ويتنازل عما افترضه اللّه له على أبويه ، وحملهما من حقه أيا كان نوعه ، ويكون ، وعبّر عن هذا التّسامح ، والتّجاوز بقوله : ( وهبته عليهما . . . ) أسألك أللّهمّ أن لا تؤاخذ أبويّ على أي شيء يتصل بي من قريب ، أو بعيد ( فإنّي لا أتّهمهما على نفسي . . . ) هما عندي ، وفي عقيدتي من النّاصحين المخلصين لا تواني منهما في حقّي ، ولا تقصير ( ولا أكره ما تولّياه من أمري ) مهما أتى من المحبوب محبوب ، والعكس بالعكس . ( فهما أوجب حقّا عليّ ، وأقدم إحسانا إليّ . . . ) لي حقّ ، ولهما حقّ ، ولكن حقهما أقدم ، وأعظم ( من أن أقاصّهما بعدل . . . ) لا مقاصة عادلة إلا مع المساواة ، ولامكان لها بين المنعم ، والمنعم عليه . ومن هنا يقتل الولد بوالده ، ولا يقتل الوالد بالولد . ( أين إذا يا إلهي طول شغلهما . . . ) لقد تحملا الضّيق ، والشّدّة لأعيش في سعة ، والتّعب ، والعناء لأكون في راحة ، والذّل ، والهوان من أجل سعادتي ( هيهات ) بفتح التّاء ، وكسرها ، وضمها : اسم فعل بمعنى بعد ( ما يستوفيان منّي حقّهما . . . ) أقر ، وأعترف بالعجز عن القيام مهما اجتهدت ، وبالغت ، لأنّه جسيم ، وعظيم . وبعد ، فمن أراد أن يستدرك ما فرط من حقّ أبويه بعد موتهما ، فليستغفر اللّه لهما ، ويقض دينهما ، إن كان عليهما شيء منه للّه ، أو للناس ، وإلا تصدق عنهما بما يستطيع . وفي الحديث : « سيّد الأبرار يوم القيامة ، رجل بر والديه بعد موتهما » « 1 » .

--> ( 1 ) انظر ، مستدرك الوسائل : 13 / 414 ، بحار الأنوار : 17 / 86 ح 100 ، مستدرك سفينة البحار : -